حول قضية والدي المصطفى!

كلمات في هذه القضية لعلها تسهم بشيء من النفع والبيان.

حول قضية والدي المصطفى!
الترهيب من الكلام في مسألة والدي النبي.
درج بعضُهم على تخويف الناس من الكلامِ في هذه القضيةِ إلا القول بنجاتهما بدعوى "أذية رسول الله" وادَّعى بعضُهم اتفاق كلِّ الأئمةِ على ذلك!
ثم تحول هذا التخويف مع الوقت إلى عصا تُرْهِبُ الناس وصولجان يُبسَطُ به النفوذ على عقولِ الأتباع!
وهذه الدعوى غير صحيحة.
أما كون بعضِ الناس يَدَّعي أن هذا القول -بعدم النجاة- هو قول شاذٌّ وأنَّ كل الأمة على خلافِه، فكلامٌ خطأ من وجهين:
١-أنه كذب ودجل وتدليس، فوجود المُخالف الذي لا نزاع في إمامتِه كالإمام الطبري والإمام النووي مثلاً يُكَذِّبُ هذا الزَّعْمَ ويُبَيِّنُ أنَّ زاعِمَه مُدَلِّسٌ.
٢-أنه كلامٌ يقود إلى رمي الأئمة بالشذوذِ وهو ما يجعل المرءَ يخرجُ عن مذهبيتِه وقبولِ الأقوال المختلِفة ليصيرَ جامداً لا يقبلُ غيرَ رأيه..فتخيل أنك تتعامل مع عقلية ترى الإمام الطبري أو النووي فاقدَيْنِ للأدبِ مع رسولِ الله بل تراهما يبغِضان رسول الله ويُؤذيانِه أيضاً!
إنَّها في الواقع دعوى طاعنةٌ في أئمة الشرع الكِبارِ المتفَقِ على صلاحِهم وديانتِهم؛ طاعنةٌ فيهم بأنهم متلَبِّسون بأذية رسول الله؛ طاعنةٌ في أئمة كالطبري شيخ المفسرين والنووي شيخ الشافعية مثلاً لا حصراً.
وأما دعوى المنع من التصريح بعدم نجاتهما لأنه شيء يؤذي رسول الله، فهو إنما يلزم على قول من يرون نجاتَهما ولا مانعَ من تقليد ذلك القول، لكنَّ الإشكالَ أن يُنْكِرَ الآخذون بهذا القول على غيرِهم.
والعجبُ أنَّ هؤلاء الأئمة القائلين بعدم النجاةِ لم يقولوا مثلاً: "انتبهوا ولا تقولوا بقولنا ولا تنشروه لأنه ينطوي على سوء أدب ولا تُعَلِّموه الناسَ لأنه يؤذي رسول الله" فلا أدري كيف تسرَّبَتْ هذه الفكرةُ لعقول بعضهم مع أنَّ الكتب طافحةٌ بعرض المسألة دون التنبيه على عدمِ عرضِها أو إهمالها لأنها مثلاً "شيءٌ قبيحٌ" فيجب عدمُ ذكرِه.
إذن فكرة "عدم الكلام في المسألة إلا بقول النجاة" هي فكرة تُخالفُ الواقع العِلْميَّ وفيها إلزامٌ للمخالفين بالسكوت عن قولهم مع أن هذا الإلزام لا نصَّ فيه من كتاب أو سنة ولا إجماع بل لم يصدر هذا الإلزام حتى عن فقيه مجتهد واحد اللهم إلا عن آحادِ المتأخرين والمُعاصرين ولا يخفاك أنه لا حجيةَ لقولهم بحيثُ تُلْزِمُ المُقَلِّدَ بضرورةِ الصيرورةِ إلى رأيهم كضرورةِ الإجماعِ مثلاً وإلا كان مخالِفُهم عاصياً فاسقاً!
كما أن هذه الفكرة أيضاً طاعنةٌ كذلك في "المذهبية" فما معنى أن أكون متمذهباً ثم أتهم علماء مذهبي أو المذاهب الأخرى بأذيَّةِ رسول الله!؟
كما أنها طاعنةٌ في أمانةِ ودِيانةِ أئمة الحديث الذين رووا هذه الأحاديث وصحَّحوها، إذ من هذا المنطَلَقِ كان يجب عليهم بدايةً أن يكتموا هذه الأحاديث لأنها "مؤذية" لرسول الله مع أن الذي قالها هو رسول الله بوحيٍ من الله!
تخيل حال شاب أو فتاة نقول له: قال رسول الله في صحيح مسلم، فينبري مكذِّباً للحديث، فنسأله عن ذلك فيقول: مش مسلم دا اللي روى أحاديث بتؤذي حضرة سيدنا النبي!؟ عايزني آخذ ديني من شخص مؤذي لحضرة سيدنا النبي!؟
تخيل معي حال الشاب المسلم الذي نشأ وتربَّى على أن القول بعدم نجاة الوالدين هو طعنٌ وأذيةٌ وسوءُ أدب..تخيَّلْ حال هذا الشابِّ مثلاً حين يفتح الكُتُبَ فيرى أن أئمتَه الكِبارَ قائلون بهذا، وأنَّ هذا القول ليس بدعةً ولا مخالفاً للإجماعِ بل هو قولٌ في المسألةِ كأي مسألةٍ تعدَّدتْ فيها الأقوال..تخيَّلْ حالَه!
فهو إما أن يُدرِك انعدامَ أمانةِ شيخِه العِلْميَّةِ الذي رهَّبَه وخوَّفَه من أمرٍ لم يُرَهِّبْ هؤلاء الأئمة منه، لقد قال له شيخُه إنَّ هذا القولَ فيه "سوء أدب" مع رسول الله، فهو الآن مُرتَبِكٌ فكرياً؛ كيف نكون قد تتلمذنا على تراث هؤلاء الأئمة وهم بعينهم غيرُ متأدبين مع رسول الله!؟
وإما أن يتعصبَ لشيخِه وعاطفتِه ويُغلقَ عقلَه ويفوحَ صدرُه بالغضبِ من هؤلاء الأئمة والنفور منهم؛ إذ كيف مثلاً سأقرأ بعد ذلك شيئا من دلائل النبوة للإمام البيهقي بأريحيةٍ وأنا أعلم أنه متلَبِّسٌ بسوء الأدب مع رسول الله، فالبيهقي كذلك قائل بعدم نجاتِهما!؟
وإما أن يتشكَّكَ في الدين كلِّه ويُلحِد!
إنكم غيرُ مدركين لعواقب ومآلاتِ ما تصنعونه الآن!
اتقوا الله وعَلِّموا أبناءكم التفرقة بين المسائل التي لا خلاف فيها وبين التي فيها خلافٌ قويٌّ معتبَرٌ حتى لا تقعوا في أزمة "الفكر المنغلق" الذي كنتُم تعيبونه على غيرِكم قديماً..وأداءً لحقِّ أمانةِ العلمِ عليكم.
كفاكم صناعةً لقنابِل فكريةٍ موقوتةٍ لأنكم ستموتون يوماً ما ثم سنَرِثُ نحن وجيلُنا من الدعاةِ أو العلماءِ والمشايخِ بعدكم هذا الحِمْلَ وسنمكثُ دهوراً نُعالجُ هذا الخلل المنهجيَّ الذي أصَّلْتموه.
مسألة الوالدين ليستْ شيئاً مقصوداً لذاته؛ هي ليستْ إلا نموذجاً لبيان ذلك الخلل المنهجيِّ الذي تحَوَّرَ من منهجٍ يتَّسِعُ للمخالفين ويعيبُ على الجامدين أصحابِ الرأيِ الواحدِ ويتَتَبَّعُ كلام الأئمةِ إلى منهجٍ جامدٍ لا يرى غيرَ اختياراتِه الدينيةِ ويعيبُ مخالفيه بل استباحَ الطَّعْنِ في ديانةِ مُخالفيه بكل هدوء.