ضرب الزوجات للأزواج (العنف العكسي)

ضرب الزوجة لزوجها قد يكون حدثاً عارضاً في لحظة انفعال شديدة تصرفت فيها الزوجة بدافع من القهر الشديد الواقع عليها من زوجها، وقد يكون متكرراً لفترة طويلة، وقد يكون سلوكا معتاداً ومزمناً في العلاقة بين الزوجين.

ضرب الزوجات للأزواج (العنف العكسي)
دكتور / محمد المهدي أستاذ الطب النفسي
ضرب الزوجات للأزواج (العنف العكسي)

حجم الظاهرة:

كنا ومازلنا نحاول تلافي ضرب الأزواج لزوجاتهم، وتخفيض وتيرة العنف الأسري على وجه العموم أملاً في تخفيف حدة التوتر الاجتماعي، وصولاً إلى عالم أكثر سلاماً وأماناً، ولكننا فوجئنا بمتغير جديد يظهر على السطح من خلال إحصاءات تتجمع من هنا ومن هناك، تعكس صرخات أزواج تضربهم زوجاتهم بما ينذر بتحول "سي السيد" إلى"سي سوسو".

ويبدوا أنها ظاهرة عالمية؛ ففي الهند كانت نسبة الأزواج "المضروبين" 11%، وفي بريطانيا 17%، وفي أمريكا23%، وفي العالم العربي تراوحت بين (23%-28%)، وتبين أن النسب الأعلى تكون في الأحياء الراقية والطبقات  الاجتماعية الاعلى، أما في الأحياء الشعبية؛ فالنسبة تصل إلى 18% فقط، وهذا الفرق بين الطبقات يمكن أن يكون فرقاً حقيقياً بمعنى أن المرأة في الطبقات الاجتماعية الأعلى استفادت أكثر من جهود تحرير المرأة، وتمكين المرأة؛ فعلا صوتها (وسوطها) أكثر من المرأة في الأحياء الشعبية، والتي لم تصلها تلك الجهود، ومازالت تنظر لزوجها باحترام أكثر، ولا تهفو إلى منافسته أو مزاحمته أو القفز على مكانته، وقد يكون فرقا إحصائياً فقط، حيث إن الطبقات الاجتماعية الأعلى يكون تسجيل حالات الاعتداء فيها أكثر حيث الصراحة أكثر، والشجاعة في الاعتراف بما حدث تكون أكثر احتمالا.

الأسباب:

والبعض يعزو هذا العنف الأنثوي إلى حالة الانتقال من مرحلة تحرير المرأة (التي كان يحلم بها قاسم بك أمين) إلى مرحلة تمكين المرأة (التي يعمل من أجلها رموز كثيرة في المجتمع المحلي والعالمي) ثم إلى مرحلة تغليب المرأة (جعلها تتغلب على الرجل) ، وتساندهاالأمم المتحدة بكامل تشكيلاتها وهيئاتها وقد أدي هذا إلى استيقاظ عقدة التفوق الذكوي لدي الرجل (الشوفينية)؛ فراح يمارس عدوانا سلبياً ضد المرأة بأن يكايدها أو يتجاهلها أو يهملها، فهبت هى لتؤدبه على كل هذا.

 وهناك تفسير آخر يرجع الظاهرة إلى حالة التفوق الأنثوي الملحوظة في السنوات الأخيرة، والتي يمكن رصدها على عدة محاور على سبيل المثال:

1-   أكبر عدد من العشرة الأوائل في الثانوية العامة من الفتيات.

2-   يلاحظ  بوضوح أن فتاة اليوم أكثر نضجاً والتزاماً من نظيرهاالفتى؛ فهي تحاول أغلب الوقت أن تفعل شيئاً مفيدا في حين يقضى هو معظم وقته على"الكوفي شوب" أو "الإنترنت كافيه" أو يمارس أنشطة ترفيهية.

3-  نسبة حضور المحاضرات والندوات تميل كثيراً في صالح الإناث،وهن أكثر حرصاً على الفهم والمتابعة والإستفسار والاستفادة.

4-   أصبحت شخصية المرأة أكثر محورية في حياة أبنائها وبناتها؛ فهي تعرف كل التفاصيل عن الأسرة واحتياجاتها، أما الرجل فيعيش على هامش الأسرة؛ فهو يخرج ثم يعود ليتناول طعامه، ثم يقرأ الجريدة أو يشاهد التلفزيون، وليس لديه طاقة أو صبر لمتابعة مشكلات الأبناء والبنات.

5-   المرأة التي يسافر زوجها لفترات طويلة، ويترك لها مسؤلية البيت بالكامل تكتسب بعد فترة صفات القوة والحزم والصرامة لكي تستطيع الحفاظ على تماسك الأسرة، وتسيطر على نزعات الأبناء ومشكلاتهم، وأما الزوج؛ فيكتفي بدور الممول لهذه الأسرة، ويأخذ بالتالى مساحة أقل في وجدان زوجته وأبنائه، ويصبح  أكثر عرضة للهجوم وانتهاك المكانة .

6-   الاستقلال الاقتصادي لبعض النساء، والذي أعطاهن شعوراً بالندية والمنافسة للرجل؛ فهي تشعر انها تعمل مثله(وربما أكثر) وتكسب مثله (وربما أكثر)، لذلك ترفض منه أى وصاية، وترفض أن يكون له ميزة التفوق عليها.

وفي مقابل هذا التفوق الأنثوي الملحوظ نجد تراجعاً ملحوظاً في دور الرجل يعزوه علماء النفس والاجتماع إلى كثير من الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية أدت إلى شعور الرجل بالإحباط والقهر؛ فهو أكثر إحساساً ومعاناة تجاه الاستبداد السياسي والقهر السلطوي، وهو أكثر مواجهة للأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وأقل تحملا لها من المرأة، ولهذا نجد أن شخصية الرجل قد اعتراها الكثير من مظاهر التآكل والضعف والتراجع، في حين صمدت المرأة أكثر لهذه الظروف، وتكيفت معها، وتجاوزت تأثيراتها الضارة، بل واستفادت منها في بعض الأحيان، وحين أحس الرجل بكل هذ (بوعي أو بغير وعي) راح يتعامل مع المجتمع ومع المرأة بطريقة العدوان السلبي،فظهرت عليه علامات اللامبالاة والتراخي والصمت السلبي والتجاهل والمكايدة والعناد.... إلخ.

سمات الضرب الأنثوي:

وضرب الزوجة لزوجها قد يكون حدثاً عارضاً في لحظة انفعال شديدة تصرفت فيها الزوجة بدافع من القهر الشديد الواقع عليها من زوجها، وقد يكون متكرراً لفترة طويلة، وقد يكون سلوكا معتاداً ومزمناً في العلاقة بين الزوجين.

والصورة النمطية للمرأة أنها كائن رقيق، وانها الأضعف في علاقتها بالرجل الذي يتفوق عليها على الأقل ماليا وجسديا في أغلب الأحيان( وليس كلها )، وهذه الصورة ربما تجعل تصور امرأة تضرب زوجها أمراُ مستبعداً او على الأقل مستهجناً أو طريفاً، ولكن في الواقع حين تتعرض المرأة لحالة من القهر والاستبداد والإهانة والقسوة لمدة طريلة، أو حين يمارس زوجها معها ألوان من العدوان السلبي؛ فإنها تتفجر بداخلها قوة انتقام هائلة، تمنحها طاقة عدوانية غير متوقعة لأحد وهذه الطاقة لا تمكنها فقط من الضرب، ولكن أحياناً تمكنها من القتل بأبشع  الوسائل(تقطيع الزوج وتعبئته في أكياس!!).

ومع هذا فضرب الزوجة لزوجها يكون على الأغلب ضرباً غير مبرح، وكأنه فقط تعبير رمزي عن الشعور بالظلم والإهانة، وغالباً ما يكون ذلك بيديها وأحيانا تستخدم المرأة بعض الاسلحة الخفيفة المتاحة لها كالحذاء أو المنفضة أو المقشة أو أى شىء من أدوات المطبخ وإذا وصل الشعور بالقهر أو الشعور بالغيرة ذروته؛ فإنها ربما تنتقل إلى استخدام أسلحة ثقيلة وخطرة مثل السكين والساطور.. ومن حسن الحظ أن المرأة العربية حتي الأن لم تتطور أسلحتها فما زالت بعيدة عن استخدام الأسلحة النارية ولكن مع هذا لا أحد يعرف ماذا تخبئه الأيام القادمة.

أنماط الضرب النسائي:

والآن نحاول أن نرصد أنماطاً من الضرب النسائي ودوافع تلك الأنماط:

1-  ضرب المزاح: بعض الزوجات يملن إلى المزاح باليد مع الزوج،ويجدن متعة في ذلك، وربما يبادلهن أزواجهن نفس المتعة خاصة أن المزاح باليد "المناغشة" يلغي الحواجز بين الأثنين، ويعطي شعوراً بالألفة الزائدة، وأحيانا يحتاجه بعض الأزواج أو تحتاجه بعض الزوجات لتحريك مشاعر أكثر عمقاً وحرارة، وقد يكون ذلك تمهيداً لما هو أعمق (أثناء العلاقة الجنسية) .

2-  الضرب الدفاعي: وهنا تقوم المرأة بالرد على عدوان زوجها، فإذا لطمها على وجهها شعرت بالإهانة فردت له اللطمة مباشرة أو دفعته بعيداً عنها أو حملت عصا أو سكيناً في مواجهته بهدف وقف العدوان أو الرد عليه , والزوجه في هذه الحالة لا تمارس العدوان على زوجها إلا دفاعاُ عن نفسها، ولكن لا تبدأ بالعدوان. وفي بعض الحالات أدى ذلك الضرب الدفاعي إلى قتل الزوج بدون قصد .

3-  الضرب الإنتقامي: وهو نتيجة قهر مستمر أو استبداد بالرأي أو قسوة زائدة من جانب الزوج أو حالة غيرة شديدة أشعل نارها في قلب زوجته، والزوجة في هذه الحالة لا تستجيب مباشرة، وإنما تتحمل الانتقام والقصاص،  إلى أن تحين اللحظة التي  تبلغ فيها هذه المشاعر ذروتها، فينطلق العدوان من داخل المرأة كالطوفان أو الإعصار المدمر، وهنا يأخذ العدوان صورة شديدة القسوة وغير متوقعة من المرأة.

4-  ضرب الزوجة السادية للزوج الماسوشي: حيث تكون الزوجة ذات صفات سادية، فتستمتع بضرب زوجها وإهانته، وغالبا ما يكون الزوج لديه صفات ماسوشية، فيستمتع بهذا الضرب(على الرغم من شكواه الظاهرية من ذلك).. وفي هذا النموذج نجد أن سلوك ضرب الزوجة شىء متكرر في العلاقة الزوجية، ومع هذا تستمر العلاقة؛ لأن الطرفين في الحقيقة يستمتعان بذلك (أيضاً على الرغم من شكواهما الظاهرية).

5-  ضرب الزوجة المسترجلة للزوج السلبي الاعتمادي: وهي درجة اقل من السابقة فالمرأة هنا أكثر قوة وأكثر سيطرة، والرجل ضعيف  ومنسحب، وبالتالى تجد المرأة أنها تملك دفة القيادة، وبالتالى تملك التوجيه والإصلاح لأى أعوجاج في البيت، بما فيه أعوجاج الزوج فإذا حدث منه خطأ؛ فهي لا تجد غضاضة في أن تقومه وتربيه،وهو يتقبل ذلك أو لا يتقبله، ولكنه لا يستطيع الاستغناء عنها وعن حمايتها له ولهذا يتكرر سلوك الضرب من الزوجة لزوجها دون حدوث انفصال أو طلاق؛ لأن العلاقة هنا تحمل مصالح متبادلة واحتياجات متوازنة رغم أنها غير مقبولة احتماعيا، وهذا ما يسمى "سوء التوافق المحسوب". وأحياناً يكون استرجال المرأة طبيعة فطرية فيها، وأحيانا أخرى يكون مكتسباً بسبب إهمال الرجل لمسؤلياته وتحليه بصفات السلبية والاعتمادية، مما يجعل الزوجة تتحمل مسؤلية الأسرة بالكامل، وشيئاً فشيئاً تكتسب صفات القوة والخشونة؛ لكى تحافظ على استقرار الأسرة، فالاسترجال في هذه الحالة ليس صفة اساسية فيها، ولكنه من صنع الرجل لذلك يجني ثماره المرة والمشكلة في هذا النمط وسابقه ليست في التأثير النفسي للضرب على الزوج (فهو في الحقيقة متقبل ذلك برضا أو عدم رضا)، ولكن المشكلة هى في تأثير ذلك على صورة الأب أمام أبنائه وأيضا في صورة الأم؛ لأن هذا يؤدى إلى صورة تربوية مشوهة ومعكوسة، تنطبع في أذهان الأبناء والبنات فتؤدى إلى مشاكل جمة في علاقاتهم الحالية والمستقبلية؛ لأنهم لم يعرفوا النموذج السوي في العلاقة بين الرجل والمرآة.

6-  ضرب المرأة المريضة نفسياً: وهذه حالة خاصة تكون مدفوعة بأفكار ومشاعر مرضية تدفع المرأة لضرب زوجها أو غيره، ويحدث هذا في حالات الفصام أو الهوس أو الإدمان أو اضطراب الشخصية.

وربما يسأل سائل: وما الحل؟

والاجابة هنا: لا يصح أن تكون بإعطاء بعض النصائح والتعليمات للرجل أو المرأة، وإنما تكتفي برصدالظاهرة، وبيان دوافعها وأسبابها، ثم بعد ذلك على المتضرر (إن كان هناك متضرر) أن يلجأ لابتكار حلول تغير من هذا الواقع الذي أدي لتزايد هذه الظاهرة، وعلى المجتمع أن يعيد ترتيب أحواله السياسية والاقتصادية والاحتماعية والدينية بمايكفل إعادة التوازن والسلام، وإلى أن يحدث ذلك ندعو الرجال "المتضررين" أن يستعيدوا رجولتهم الضائعة ، وندعو للزوجات "الضاربات" بالهداية ولا عزاء للرجال .